الغزالي
135
إحياء علوم الدين
بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة وتدريج المريد في سلوك سبيل الرياضة واعلم أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين ، أصبح بالضرورة مريدا حرث الآخرة مشتاقا إليها ، سالكا سبلها ، مستهينا بنعيم الدنيا ولذاتها . فإن من كانت عنده خرزة ، فرأى جوهرة نفيسة ، لم يبق له رغبة في الخرزة ، وقويت إرادته في بيعها بالجوهرة ومن ليس مريدا حرث الآخرة ، ولا طالبا للقاء الله تعالى ، فهو لعدم إيمانه باللَّه واليوم الآخر . ولست أعنى بالإيمان حديث النفس ، وحركة اللسان بكلمتي الشهادة ، من غير صدق وإخلاص ، فإن ذلك يضاهي قول من صدق بأن الجوهرة خير من الخرز ، إلا أنه لا يدرى من الجوهرة إلا لفظها ، وأما حقيقتها فلا . ومثل هذا المصدق ، إذا ألف الخرزة قد لا يتركها ، ولا يعظم اشتياقه إلى الجوهرة . فإذا : المانع من الوصول عدم السلوك ، والمانع من السلوك عدم الإرادة ، والمانع من الإرادة عدم الإيمان ، وسبب عدم الإيمان عدم الهداة والمذكرين والعلماء باللَّه تعالى ، الهادين إلى طريقه ، والمنبهين على حقارة الدنيا وانقراضها ، وعظم أمر الآخرة وداومها . فالخلق غافلون ، قد انهمكوا في شهواتهم ، وغاصوا في رقدتهم . وليس في علماء الدين من ينبههم . فإن تنبه منهم متنبه ، عجز عن سلوك الطريق لجهله . فإن طلب الطريق من العلماء ، وجدهم مائلين إلى الهوى ، عادلين عن نهج الطريق . فصار ضعف الإرادة ، والجهل بالطريق ، ونطق العلماء بالهوى ، سببا لخلو طريق الله تعالى عن السالكين فيه . ومهما كان المطلوب محجوبا ، والدليل مفقودا ، والهوى غالبا ، والطالب غافلا ، امتنع الوصول ، وتعطلت الطرق لا محالة . فإن تنبه متنبه من نفسه ، أو من تنبيه غيره ، وانبعث له إرادة في حرث الآخرة وتجارتها ، فينبغي أن يعلم أن له شروطا لا بد من تقديمها في بداية الإرادة ، وله معتصم لا بد من التمسك به ، وله حصن لا بد من التحصن به ، ليأمن من الأعداء القطاع لطريقه ، وعليه وظائف لا بد من ملازمتها في وقت سلوك الطريق